RANDOM HANDSHAKES - ALI H. RADDAOUI

Saturday, January 30, 2010

احتراف بدرية بنت العيد السعيدي

أطفأت النور ووضعت رأسها على الوسادة بعد ساعات من تصفح المواقع على الشبكة. كانت عيناها تحرقانها بمفعول التحديق في الشاشة. الهزيع الأخير من الليل هادئ إلا ما يصل سمعها من مواء القطط على حاويات القمامة في الشارع. تقلبت في فراشها أربع أو خمس مرات. يبدو أن هناك جوربا أو قميصا بقي على السرير يزعجها. بحثت عنه بيدها تحت الغطاء الكثيف، تحسسته لفترة ووجدته فرمته أرضا بعصبية إلى جانب السرير. أغمضت عينيها دقيقة وهي تحاول أن تخلد إلى النوم ولكن نورا خافتا كان يتسرب من وراء البرداية. أدارت جسمها للجهة الأخرى وجمعت جزء كبيرا من الغطاء ووضعته تحت يدها. كانت ركبتاها تلمسان بعضيمها البعض وخيل إليها أن الوزن الذي فقدته في الأشهر الاخيرة قد جعل عظامها ناتئة بعض الشيء ولم تكن تحس بالراحة في هذا الوضع.... استلقت على ظهرها وأبعدت الوسادة من
تحت رأسها. كانت تكره هذا الوضع لانه مدعاة في الكثير من الاوقات الى كوابيس لا تنتهي.
***
كان لا بد لها من ان تنام. غدا يوم عمل. تضع بدرية بنت العيد السعيدي المنبه على الساعة السادسة صباحا في كل يوم من أيام العمل. انتهت عطلة نهاية الأسبوع وغدا تعود للعمل. بدرية فتاة أنيقة وموسرة في العقد الثالث من عمرها، وهي تعمل موظفة في شركة تهيأ المواقع على الشبكة العالمية لفائدة الشركات الجديدة التي بدأت تجتاح البلد. هي مسؤولة عن إخراج المواقع من بدايتها إلى صفتها النهائية. في المكتب المحاذي لمكتبها موظف في الأربعين من عمره يهتم بجانب الترجمة، فالشركات العالمية والمحلية في المدينة تسعى لان يكون لديها مواقع باللغة الأجنبية زيادة على الموقع المعرب. ***
غدا صباحا بعد أن تصل بدرية إلى المكتب، سوف تحضر لنفسها قهوة تركية ثم ستجلس لمدة ربع ساعة أو نصف ساعة للإجابة على تساؤلات الزبائن حول موعد تسليم المواقع جاهزة أو روابط في تلك المواقع لا تفضي الى صفحات أخرى، أو إدخال تحسينات على مواقع تم تسليمها قبل أسبوع أو شهر أو أكثر.
***
وصل سمعها جرس الساعة الحائطية خافتا من الصالون مشيرا إلى الساعة الثالثة. فركت عينيها وأعمضتهما بشدة. "لن ينطفا نور العمود الكهربائي قبل الساعة الخامسة صباحا فلا تربطي نومك به". بقيت أصابعها تغطي عينيها لبرهة قفزت بعدها من الفراش واتجهت إلى المطبخ. قرأت في مجلة "صحتك سيدتي" قبل أيام أن الحليب البارد مضاد للأرق. تناولت كأسا من الحليب على عجل ورجعت إلى الفراش....
***
"يا الله يا بدرية. نامي. لا تبحثي عن حسان في دردشات البحار... لا تبحثي عنه في مكاتب الشركة. حسان انسان له هواياته وهو يضعها قبل كل اعتبار. كل حديثه في الأسبوع الماضي كان عن رحلة قام بها الى ماليزيا في الصيف. إنه يحب المدن أكثر ما يحب البشر في المدينة، يحب الأطر أكثر ما يحب الصور. حسان يعطيك انطباعا بأن كل ما يشاهده في الحياة كأنما يشاهده في فلم على الشاشة الصغيرة. أنه يبدو خال من المشاعر. البشر بالنسبة له نقاط تستدعي التحليل والتوقف وتجاربه معهم نقاط يضيفها إلى سيرته الذاتية غير المكتوبة التي يشرك فيها القاصي والداني. ثم إن حسان من بيئة مختلفة، تعامله مع البشر يبدو مبرمجا ومتكلفا ومحسوبا إلى حدود الغثيان. كلا، كلا، يا بدرية بنت العيد، اصمدي. ربما خيل إليك أن قلبك قد خفق لحسان عندما شربت معه قهوة في فندق الشراتون لما نظمت الشركة ورشة العمل في الشهر الماضي... ربما كنت تظنيه متألقا ولطيفا عندما سرد نكتته عن جحا الذي سرق حماره في السوق فأخذ يهدد الناس بأنه سيفعل ما فعله والده عندما سرق حماره فقال انه اشترى حمارا آخر. يا بدور بنت العيد، ألم تسمعيه قبل يومين في الكافتيرا التي في الدور السفلي من مبني الشركة وهو يسرد نفس النكتة لهند الماطري ثم يقهقه وكانما سمع النكتة لأول مرة. كم انت سخيف يا حسان. أتتعامل معي وكأني نسخة مطابقة من غيرى من بنات البشر؟ قولي له يا بدرية بطريقتك الخاصة، اذهب إلى الجحيم يا حسان. دعني وشأني... إني نسخة من نفسي ولن أكون لك هواية إضافية، أو قولي له يا حسان انت هاو وانا تجاوزت الهوايات. أنا أحب الاحتراف، أنا محترفة في شعوري، إنا أحب الصفاء..."
***
أخذت حقيبتها من السيارة ودخلت مكاتب الشركة بعجالة. كانت تريد أن تصل إلى مكتبها قبل وصول حسان حتى لا تقع عينها على عينه. استجمعت قواها. قررت أن تفرض على نفسها التعامل معه كما لو كان لقطة في فلم طويل. مرت أمام مكتبه. رآها تمشي مسرعة وعيناها تنظران إلى الأمام كما يفعل نائب مدير الشركة. تمنى لحظة لو أنها تنظر إليه وتقول: "كيفك يا حسان؟". طأطأ رأسه مطولا. ارتعشت يداه وهو يمد يده لتناول قهوته التركية، ثم عاد ليواصل قراءة خبر عن عجز رجال الإطفاء على محاصرة حريق شب في الغابات الاستوائية منذ ما يزيد عن الشهر...

No comments: