RANDOM HANDSHAKES - ALI H. RADDAOUI

Tuesday, January 31, 2012

أكبر هدية للتحالف الثلاثي تَرأُّس السيد الباجي قايد السبسي للمعارضة التونسية

مذ تم الإعلان عن مبادرة السيد الباجي قايد السبسي وتموضعه كمُخَلّص ليس فقط لأحزاب المعارضة بل ولتونس كلها، ظهرت الكثير من المواقف، البعض منها مُهلل والبعض الآخر منتقد لا بل ومتوجس على اعتبار أن المبادرة قد تشكل أحد أعتى التحديات أمام الحكومة القائمة.  وعلى الرغم من عدم توفر كافة المعطيات المتعلقة بهذه المبادرة إذ أننا لا نعرف على وجه الدقة خطوطها العريضة والشخصيات والأحزاب التي انخرطت فيها فعليا وتلك التي تلقفتها على أنها قشة النجاة، إلا أنه يمكن القول بأن الخلفية التي تقوم عليها تدل على أنه في صورة تولي السيد قايد السبسي مهام المعارضة التونسية، فإن ذلك سيمثل أثمن هدية يمكن تقديمها للتحالف الحاكم وسيشكل تعميقا مؤسفا للأزمة التي تُعاني منها أحزاب المعارضة أصلا. نقول ذلك انطلاقا من التخمينات التالية:
1.       بعد أن استخدمت المعارضة بعض وسائل الإعلام أبواقا لتضخيم صوتها وبعدما تم الالتقاء موضوعيا بين وسائل إعلام مناوئة للتجربة الديمقراطية الوليدة وحركات المعارضة ذات المحصلة الانتخابية الهزيلة في معظمها، أقنعت هذه المعارضة نفسها بأنها الصوت الغالب وهي من يمثل الشعب وصدّقت وهمها أنها هي الخيار الشعبي.  لكن واقع الحال يقول أن انتخابات أكتوبر أفرزت  نتائج تخالف تماما الجعجعة الإعلامية التي توحي بفشل الحكومة الحالية وعجزها عن إدارة دفة الحكم.  وللذين يحاولون وأد الذاكرة الشعبية والإيحاء للشعب ولأنفسهم أن الخيار الشعبي الذي تم إقراره يوم 23 أكتوبر 2012 خيار خاطئ، نقول أن الشعب التونسي هو الشعب التونسي، وهو ليس مصابا في جملته بمرض الزهايمر ويعرف أنه صوّت في غالبه للتحالف الحاكم، وإن من يعتقد أن الشعب التونسي مصاب بانفصام في الشخصية وسيدير ظهره في الانتخابات القادمة لمن منحهم الثقة هذه المرة، فإنه لا شك سوف يصاب بخيبة أمل مدوية.  وهذا لا يعني أن ثمة من الشعب التونسي أفرادا أو مجموعات قد تغير رأيها في الانتخابات القادمة، فهذا جائز لأن كل مواطن يتعامل مع واقعه اليومي وله الحق في أن يعبر عن رفضه لسياسات اقتصادية أو تربوية أو اجتماعية أو سياسية أو غيرها، ولكني أتصور أن الانتخابات القادمة في جملتها لن تأتي بجديد في نتائجها.
2.       السيد الباجي قايد السبسي وإن ارتأى أن يُسوّق نفسه على أنه رجل المرحلة ومنقذ البلاد إلا أنه مراجعة متأنية وربما حتى غير متأنية تثبت لكل ذي بصيرة أنه ليس في رصيد الحكومة التي ترأسها خلال المرحلة الانتقالية ما يجعل الناخب التونسي العادي يفكر في تكليفه بأي نوع من المسؤوليات في مستقبل الأيام.  وبعبارة أخرى، سوف يتساءل المواطن التونسي عن جردة حساب السيد الباجي ويقول، ما الذي قدمه هذا الرجل لتونس بعد أن "وُضعت أمانة" في عهدته لمدة ناهزت الأحدى عشر شهرا؟  وحتى لا نكون متحاملين عليه، يجب الإقرار بأنه ساعد على المرور بتونس من مرحلة فراغ دستوري إلى مرحلة الشرعية وقد سلم الحكم إلى حكومة منتخبة.  يمكن أن نورد هذه النقطة كمسلمة ولو إلى حين، ريثما تصدر قراءات أخرى مغايرة إن صدرت، وعلى أيه حال، فإن السيد السبسي يعي تمام الوعي أنه حتى ولو انقلب على الشرعية في لحظة من اللحظات قبل إرسائها، فإن مصيره سوف يكون مثل مصير سابقه المخلوع، فالشعب كما قال الكثيرون خبر آلية إسقاط النظام ولا يذهبنّ في بال أية حكومة من الحكومات التي سوف تتعاقب على تونس في قادم السنين والعقود أنه يمكن إعادة التاريخ أو القبول بالرجوع إلى البلاد إلى ممارسات عهود الاستبداد وتصفيه الخصوم والشطب على خيارات الشعب.  إذن دعونا نقول أن السيد الباجي قاد مرحلة قيام الشرعية ونسجل ذلك في رصيده وإن ببعض التحفظ.  عدا هذا، فإنه ليس ثمة أية مؤشرات أخرى تثبت أو تنم عن السيد الباجي قد قدّم أمثله حية على كونه رجل المرحلة، وربما كان العكس هو الأقرب إلى الصحة.  فقد كانت هناك محاولات واضحة خلال الفترة الانتقالية وبعدها لافتعال أزمات على المستويات الأمنية والنقابية والسياسية والاقتصادية تحتاج في حد ذاتها إلى وقفة موضوعية ترصد كافة المطبات والأفخاخ التي كان ولا يزال من شأنها زعزعة الاستقرار وخلق مناخ يؤدي إلى تقويض الشرعية وإدخال البلاد في حالة من الفوضى العارمة. 
3.      ما هو موقع السيد الباجي من الثورة؟  الجدير أن يكون هذا السؤال مبحثا تاريخيا يحدد الفاعلين الحقيقين في الثورة وهؤلاء كُثر، ولكن الأكيد والثابت والمتفق عليه أن السيد الباجي لا يمت لهم بصلة قريبة أو بعيدة، بل ربما صح القول أن السيد الباجي عندما كان من أعمدة الحكم البورقيبي ثم عندما عمل في حكومة الرئيس المخلوع وأثناء قياديه للمرحلة الانتقالية كان أقرب ما يكون إلى القوى الساعية لأعادة إنتاج الماضي وتدويره.  إن الشعب التونسي في عمومه لم يعرف حقيقة إلا القليل القليل ممن تبوأوا مناصب عليا في الحكم منذ الحقبة البورقيبية وخدموا الشعب بصدق.  الشعب التونسي ليس فقط بسليقته وفطرته وإنما بواقع فهمه ومتابعته للخطاب الرسمي المفبرك والقاتل والذي انبنى في أصله على عبادة الشخصية وتأليه القائد يعي الكثير منه أن الذين تداولوا على السلطة خذلوا هذا الشعب بل وجهّلوه وحرموه من أن يسجل حضوره العلمي والثقافي والسياسي والاجتماعي وذلك بتكميم الأفواه وتسليط أدوات الرقابة والقمع والتنكيل من ناحية وشراء الذمم من ناحية ثانية.  ولما كان السيد الباجي من بين من أداروا سدة الحكم في مختلف مراحل مشواره السياسي المُطوّل، لم يصدر منه ما يشي بأنه واحد من أبناء الشعب، يعيش حياتهم، ويسعى لتحقيق آمالهم، ويتألم لمعاناتهم.  السيد الباجي، مثل مثل غيره من النخبة السياسية التي سادت تونس منذ أواسط الخمسينات إلى حد انتخاب أول حكومة شرعية في تاريخها لم يكن ابن الشعب بالمعنى المجازي للكلمة.  ولست أتحدث هنا من منطلق الصراع الطبقي بمعنى أن السيد الباجي ينتمي في موقعه الاجتماعي إلى أسرة يسيرة الحال، ولكن من منطلق قدرته أو عدمها على استيعاب ومعاينة الحياة اليومية للكادحين والبطالين والفقراء. زيادة على ذلك، لم يعرف عن السيد الباجي أنه كان من دعاة الانفتاح السياسي، فاسمه لم يرد أبدا في يوميات وشهادات المعارضين لحكم الطغاة والمفسدين، بل على العكس من ذلك فإن هناك معطيات يتم تداولها على أن له علاقة بتحييد رموز المعارضة أثناء حقبة بورقيبة.  فهل ساهم السيد الباجي إذن في الثورة؟  الإجابة قطعا بلا، وهل هو بالتالي مؤهل لقيادتها والمضي قدما بها؟ الجواب قطعا بلا، اللهم أن يولد ويخلق وينشأ من جديد ويكون له سجل غير السجل الذي صنعه.  وهل يمكن أن يأتمنه الشعب على قيادة ثورته في حال فشلت الحكومة الشرعية من هنا إلى الانتخابات القادمة؟  الجواب قطعا بلا.  وهل يمثل السيد الباجي جيل الشباب والثائرين الذي مضوا بالثورة إلى حدود وضعها الحالي؟  كلا. 
4.      ما أدرجته في النقاط الثلاث الفائتة يظهر أن توجس البعض من تقليد السيد الباجي مهمة رئاسة المعارضة وأنه قد يحرز رضاء الشعب التونسي عليه، فينتخبه في السنة القادمة قائدا لتونس ليس له ما يبرره عليه  على مستوى إنجازات الرجل وسجله وتكوينه أو المزاج الشعبي العام.  فسيناريو تكَفُّله برئاسة المعارضة يقدم خدمة مجانية للحكومة لأنها سوف تضمن بذلك إجماعا ربما أوسع من ذي قبل على خياراتها واتجاهاتها، على الرغم من التعطيلات التي تواجهها من أطراف معارضة ونقابية من بعض النخب التي تلقفت الثورة في أيامها الأخيرة وبعد حدوثها لمحاولة الركوب عليها.  وبالنظر إلى أن التوجه الديمقراطي في هذه الحقبة المفصلية لا يضمنه سوى وجود معارضة حقيقية وقوية ومتماسكة، فإن تكليف السيد الباجي قايد السبسي بأعباء قيادة المعارضة فيما تبقى من حكم الحكومية الحالية كضمانة للحصول على أغلبية أصوات الناخبين في الانتخابات القادمة يؤشر بوضوح إلى أن المعارضة سوف تظل ضعيفة وممزقة وغير جدية وغير مقنعة للناخب التونسي.  إن سلامة المسار الديمقراطي ودور المعارضة في تصحيح وتصويب أخطاء الحكم أولوية ملحة وعلى التونسيين جميعا وعلى المعارضة الواعية بصفة أخص أن تعي ضرورة توفر مصداقية أخلاقية تكون نابعة من ثوابت الثورة، وأولها إرساء دولة ديمقراطية مدنية ونظام مرتكز على شرعية صندوق الاقتراع ونبذ كافة أشكال الإقصاء والتهميش والحيف والعمل بصدق وفاعلية على الرقي بكافة مناحي الحياة.   
5.      هناك نقطة أخيرة يجب التنبيه إليها، وهو أن تصدّر السيد الباجي قايد السبسي مشهد المعارضة رسالة سلبية مفادها أن المعارضة الحالية شهدت بعَظْمة لسانها وعلى الملأ أنها فشلت في تحقيق حضور ومصداقية على المستوى الشعبي.  لقد كانت هناك معارضات حقيقية للنظام البائد وقفت بصدق وحزم وثبات أمام الآلة الأمنية للنظام المقبور واتخذت مواقف مبدئية من عمليات الكبت الممنهج للصوت ونددت بالاغتيالات السياسية والجسدية وعانت مثل غيرها من السجن والمتابعة التضييق.  كما كانت هناك معارضات كرتونية ذات قاعدة شعبية ضيقة ولكنها كانت على أية حال تشكل السقف الأسفل من المعارضة التي كانت السلطة تسمح به.  هل إن موافقة هذه المعارضات مجتمعة على تموقع السيد الباجي قايد السبسي في الصدارة اقرار ضمني أو إعلان رسمي منها بفشلها في إنشاء قاعدة انتخابية، مما اضظهرها إلى التسليم بالقيادة لشخص مثل السيد الباجي قايد السبسي الذي لم يكن في يوم من الأيام معارضا لأي شيء؟  أليست المعارضات بقبولها تسليم المعارضة لمن هو بريء منها إقرارا بفشلها وعجزها وبكونها حكمت على نفسها باللعب خارج الحلبة الحقيقية؟  وإن لم يكن الأمر كذلك، فلسائل أن يسأل، لماذا ارتأت رموز المعارضة من أمثال السيد حمة الهمامي والسيدة مي الجريبي والسيد نجيب الشابي والسيد أحمد ابراهيم والسيدة راضية النصراوي أن تصطف وراء السيد قايد السبسي؟  هل يشكل اصطفافهم هذا إقرارا بأن أحزابهم لا تمثلهم أو أنها لا تمثل حيزا اجتماعيا ذا شأن؟  أرجو ألا يكون الأمر كذلك، وأرجو أن يقوموا على التو بمراجعة مسارهم الشخصي ومسارات أحزابهم وأن لزم الأمر أن يجتهدوا ليقدموا معارضة أفضل وأنجع وأنقى، فالتمسك في هذه الحقبة الحاسمة من تاريخ ديمقراطيتنا الوليدة بمنهج أو فكر أو ممارسة غير ذي جدوى ليس مسموحا به ويعتبر ضربا من ضروب الانتحار السياسي.    
وختاما، فلا بد من تذكير الجميع، حكومة ومعارضة، بأن الشعب التونسي بكافة أطيافه سيكون في الانتخابات القادمة صاحب القول الفصل، وقد ولى زمان شهدناه كلنا كانت ماكينات الاستبداد تزيف إرادة هذا الشعب.  أما الآن، فهناك اطمئنان إلى أن صوت كل مواطن، سواء كان وزيرا أو رئيس حزب أو مدير شركة أو عميدا أو واليا أو محافظا أو موظفا، يساوي صوت كل بطال ومحتاج وفقير ومظلوم ومهمش وجائع وجالس على قارعة الطريق، ينتظر من يعطيه أجرا مقابل خدمة عابرة، ولكن الذي يثلج الصدر حقا أن كافة الفئات تفرق بالنهاية بين من يخدم المصلحة الوطنية والشعبية من لا يمكن ائتمانه على مصير الثورة الأولى والشعب الذي صنع الثورة.

Thursday, January 26, 2012

إلى مُتْرفِي الفكر على اليسار وعلى اليمين، صرِّفوا إيديولوجياتكم أفعالا تنفع الناس


1.      تقديم ذاتي:  قد يتبادر لقارئ العنوان أني باستخدام عبارتي اليمين واليسار أحاول أن أسوق نفسي على أن وسطي بحكم أن الوسطية موقع مُحبّب ومريح ويكاد يكون موقعا متفرجا أو هو كذلك.  حقيقة الأمر أني لازلت بصدد بلورة فكري وفكرتي وليس لي بد من التصنيف واستخدام مسميات متعارف عليها حتى أستطيع أن أقول جملة مفيدة يمكن تبليغها للقارئ دون عناء صياغة مسميات جديدة ستكون هي بدورها في حاجة إلى التفسير والتوضيح والتعليل.  إلا أني أحاول أن أوحي من خلال هذا التدخل بضرورة وجود ترابط وثيق بين الفكر أو العقيدة أو الإيديولوجية من ناحية ومرادفها على الأرض أي الفعل أو الحركة من ناحية ثانية.  فالفكر الذي ينأى بنفسه عن الدخول في حلبة الحياة يبقى ضربا من ضروب الترف التي ربما تجعل صاحبه ينتشي بخمرته ولكن علاقته بالواقع المعاش على المستوى الاجتماعي منعدمة وعليه، فذلك الفكر يظل مثل حدث يحدث في كوكب آخر ولا يؤثر كثيرا على مجريات الأمور لعامة الناس على الأرض.  أما بالنسبة للفعل، فإنه من الصعب ألّا تكون له مرجعية فكرية حتى وإن لم يكن فاعله قد صاغ فكره بطريقة متكاملة ومتماسكة.  فالفعل عادة ما يحمل في طياته وعاء فكريا يحكم الحركة، وهو بذلك ليس بالعمل العشوائي بل يستند إلى منظومة فكرية على درجة ما من التبلور.  خلاصة حديثي في نقطة التعريف بنفسي أنني أموضع نفسي في سياق يقول أنه على المتواجدين داخل حلبة الصراع الإيديولوجي أيا كانت مشاربهم ألا يكتفوا بتأجيج الصراع مع مناوئيهم بل أن يترجموا خلافاتهم إلى أعمال تنفع الناس.  فإن لم تفض الخلافات الفكرية إلى أعمال تعود بالنفع على المجتمع فيمكن اعتبارها عقيمة إلى حد ما ويمكن اعتبار أصحابها ظواهر صوتية هامشية وخارجة عن السياق العام الذي نحتاج فيه لفعل إيجابي يحسِّن الصالح العام ويرقى به. 
2.      من المقصود بمترفي الفكر من اليمين واليسار؟  قد لا تكون هناك حاجة للإجابة لأن السؤال هنا يحمل جوابه، ولكني أمهد للإجابة بقولي أننا وبحكم تكويننا اعتدنا على التورية والإيشاء والايحاء والإشارة غير المباشرة والحذر في تسمية الأشياء بمسمياتها. وبالنظر إلى الثورة التي قضت على الخوف وطنيا وعربيا، فإنه من الضروروي التحرر من عاهة اللف والدوران ولهذا، فإني سوف أستمسحكم في أن ألفّ قليلا وأدور لأقول بعد ذلك أن المقصود بالتحديد في هذا المقال مؤججو الخلافات العقدية والإيديولوجية في الجامعة التونسية الذين ارتأوا أن يجعلوا من الجامعة حلبة صراع بين المنقبات من جهة والمؤمنين بالنظريات المادية اليسارية من جهة ثانية.
النقاط على الحروف: وإن كان لا مفر من استخدام عبارات أخرى متعارف عليها، فإنه يمكنني القول بالرغم من تحفظي على استهلاك العبارتين أن الناس بدأت تسأم الصداع الحاصل من النزال اليومي بين من يسمون علمانيين وإسلاميين.  شاهدت هذا الصباح على إحدى صفحات الفيس بوك كرتونا دار فيه حوار بسيط بين مسؤول عليه علامات الترف والشبع ومواطن ذي لحية كثة وثياب رثة:
المسؤول:  هل أنت علماني أم إسلامي؟
المواطن:  أنا بطال... اعطيني خدمة وبعد تو نخبرك.
3.      ما المطوب؟  ولست هنا في وارد تغليب كفة أحد على الآخر ولا التقليل من شأن فوائد الاختلاف والصراع والنقاش والتبادل الفكري، ولكني أسوق نقطتين وأشفع كليهما بأمثلة. 
·         أولا، لقد قامت الثورة ضد الاستئصال والتفرد ورفض الآخر.  فمهما كان انتمائي الفكري، فليس هذا مدعاة لأن أحكم على من اختلف معي بأن ليس له الحق في التعبير والتواجد معي على نفس المساحة. فأية مساحة على أرض الوطن خارج بيوتنا وممتلكاتنا الخاصة هي مكان عام يحق فيه لأي كان أن يضيف لونه إلى جملة الألوان المتواجدة لا يحق له أن يشرع في إقصاء الآخر أو الشطب عليه أو أخراجه فعليا من الفضاء العام.  بل بالعكس، إن أهم ما علمتنا الثورة هو أن نصارع أنفسنا حتى نعتاد على قبول الآخر أيا كان شكله وفكره وهويته، وهذا نوع من الصراع الداخلي بين الانسان ونفسه.  عانينا جميعا من الاغتيال الفكري وسمعنا وشاهدنا والبعض منا عايش الاغتيال المادي أثناء حقبة الاستبداد، أما الآن، فيجب أن نهذب أنفسنا ونصقلها ونعاركها ونقنعها بأنه ليس هناك مجال للإقصاء. 
·         مثال:  وحتى نربط هذا الحديث بالواقع، أتصور أن الجالسين والجالسات اليوم تحب قبة البرلمان في تونس قد تعلموا درسا مهما من بعضهم البعض، بقطع النظر عن اتجاهاتهم الفكرية.  وبحكم سيف الإقصاء الذي كان مسلطا عليهم جميعا في الماضي، فربما كانت أولى أيامهم في البرلمان المنتخب أياما عجيبة، لأنهم فجأة ودون الكثير من الجاهزية النفسية، وجدوا أنفسهم وجها لوجه مع نطاق واسع من الأفكار والإيديولوجيات تختلف اختلافا جذريا عن تلك التي يحملونها.  ربما اندهشوا في الأيام الأولى وثاروا وهاجوا وماجوا وقالوا من أين جاء هذا الغريب علينا بهذه المفردات وفي أي تربة نشأت تلك التي تتبنى هذا الفكر أو تلبس هذا اللباس أو تنطق بهذه اللهجة؟  يا إخوتنا في المواطنة، إسألوا أعضاء الجمعية التأسيسية التونسية كيف كانت نظرتهم إلى الحياة وعن مدى تقبلهم للآخر مباشرة قبل أولى جلسات للبرلمان وقارنوا كيف تغيرت منظومتهم الفكرية بعدما عايشوا طيلة شهرين أو أكثر أناسا آخرين يجلسون إلى جانبهم ويحملون فكرا يختلف عنهم ويصدحون بذلك الفكر.  لا شك أن مشوار الاعتياد على قبول تواجد من اختلف معك تحت نفس السقف مشوار صعب وطويل ولكن ذلك هو الدرس الذي يجب على الجميع أن يتعلمه الآن في جامعات تونس أو خارجها. 
·         ثانيا، لقد أفرزت الثورة طاقات كانت إما مقموعة أو صامتة أو منخرطة في النظام السابق دون رضاها أو حتى متواطئة معه، وفتح الشعب بكافة أطيافه باب الثورة وضمن حق الاختلاف وحرية التعبير، ولذلك، فإني أقول أنه لم يعد هناك ما يمنع من أن نترجم أفكارنا وتصوراتنا وإيديولوجياتنا إلى واقع ملموس وفعل محسوس.  يا أخوتنا في الوطن، يا من تحملون مبادئ ومثلا ونظريات، هذا الزمن زمنكم، حرروا أفكاركم من السجون التي كان محكموما عليها أن تظل حبيسة فيها، أخرجوا أفكاركم إلى حيز الوجود، اعملوا، ترجموا أقوالكم أفعالا.  لا تكتفوا بتبادل الأفكار مع من يوافقونكم الرأي وتشتموا من يخالفكم، ولا تحبسوا أنفسكم في أبراجكم العاجية، أخرجوا إلى الأرض وأفيدوا الناس والمحتاجين.  وإن كُتب لكم أن تعيشوا حياة الرفاه وأن تتجاذبوا أطراف الحديث عن نظرياتكم وكم سيكون العالم جميلا فيما لو تم وضع تلك النظريات موضع التنفيذ، فهبوا لذلك التنفيذ وقدموا المساعدة للذين لم يعرفوا في حياتهم الترف الفكري وظلوا يعانون من قلة ذات اليد.  البطال والجائع والمهمش والفقير والطالب الذي حالت الظروف دون مواصلته التعلم، كل هؤلاء، لا يأكلون النظريات ولا يتعشون الكتب، ولا يملأون أحشاءهم بالنقاشات الزائفة، وإنما يحتاجون منكم بوقفة صادقة، بعمل حقيقي، بفعل يساعدهم على الرقي بحياتهم اليومية.  خلافاتكم الفكرية جزء من حياتكم ولستم مدعوين لنسيانها أو طرحها جانبا، بل أنتم في أمس الحاجة لوضعها على المحك حتى تعرفوا مدى صلاحيتها والتصاقها بالواقع ووقعها على المجتمع. 
·         مثال:  عوض أن تمر السنة الجامعية وأنتم تديرون هذا الصراع السلبي، أنجزوا عملا حقيقيا.  أنشأوا مؤسسات تقدم خدمات للمحتاجين في مجتمعنا، أقيموا برنامج منح لمساعدة الطلاب والتلاميذ المعوزين، كونوا جمعيات خيرية، اتفقوا يوما على الخروج معا لتنظيف المحيط من أكياس البلاسيتك  والقمامة، قوموا بزيارات ميدانية لأحياء الصفيح وتبرعوا بوقتكم ومالكم لمساعدة الناس على بناء منازلهم أو استكمالها أو طلائها، اذهبوا إلى الأرياف كما يفعل البعض في تونس الآن وعايِنوا وضعيات من لم يسمعوا بخلافاتكم، اجمعوا تبرعات عينية ومالية وحولوا بها شقاء الناس إلى بسمة.  قوموا ببناء مؤسسات مجتمع مدني حقيقية ومراكز بحث استراتيجي لاستشراف المستقبل -- وانفضوا عنكم غبار التنابز وتنافسوا فيما ينفع الناس.  
4.      خاتمة:  إن هي إلا أشهر قليلة مهما بعدت وسنكون على موعد مع الانتخابات.  تاريخ كل فرد وكل حزب وكل حركة محفوظ وممارستها اليومية في الحفاظ على مكتسبات الثورة ومساهمتها الفعلية في تحسين الوضع الاجتماعي والمدني والسياسي والاقتصادي العام تحت مجهر الشعب والشعب يعرف كيف يجازي من خدمه وكيف يعاقب من سعى لإدخاله في متاهات ودومات لا طائل من ورائها.  وبحساب الربح والخسارة الضيقة، سوف يقارن الشعب الكريم أقوالكم بأفعالكم ، وسيكون صاحب القول الفصل في من يرتضيه لقيادة الوطن. 

Monday, January 23, 2012

التسريع بإنشاء إعلام مساند للشرعية في تونس ضرورة قصوى يمليها الظرف العصيب

نجحت الثورة التونسية كما لم تنجح ثورة أخرى في استكمال أسس النظام الديمقراطي التعددي وخلقت مناخ حرية استوى فيه لأول مرة في تاريخ تونس المواطن والمسؤول وانتفى فيه الخوف من أن تلحق السلطة المنتخبة أي نوع من أنواع الظلم بالمواطن لأن الثورة قامت أساسا في وجه الاستبداد والطغيان ولأن الشعب خَبِر آلية إسقاط ماكينة الاسبتداد.  ولكن الحقيقة أن الأمر بلغ مستويات من التسامح والحرية جعلت المناوئين للشرعية يستفيدون من هذا المجال الواسع للانقلاب عليها ووضع عراقيل تحول دون ممارستها للإصلاحات الموعودة.  وبعد أن تمت دمقرطة الأطر الدستورية بما فيها المجلس التأسيسي ورئاسة الدولة والحكومة، لا يزال هناك مجال واحد لم تتمكن الأطر الشرعية من إخراجه من دوره المناهض للثورة ، ألا وهو مجال الإعلام.  بقيت أهم وسائل الإعلام المرئية والمسموعة تبث أفكارا وممارسات تمثل الأحزاب والتنظيمات التي حكم عليها صندوق الانتخاب بالفشل الذريع، ولا بد من القول أن الوضع الحالي كما تصوره وسائل الإعلام التونسية في معظمها يعتبر انقلابا على الشرعية ومؤيدا للاعتصامات العشوائية وأهم رافد من روافد الثورة المضادة.
***
وفي رأيي أن الإعلام أضحى آخر موقع أو جبهة يجب على الشرعية التعامل معها بكل تبصر وعلى جناح السرعة وإلا، فإن الإجراءات العملية والمحسوسة التي اتخذتها الحكومة وستتخذها في الأيام والأسابيع والأشهر القادمة في سبيل الشروع في تحقيق أهداف الثورة إن على مستوى القضاء على الفساد أو استحداث فرص الشغل لن يبلغ صداها إلى المواطن العادي الذي لا يزال يستقي أخباره من وسائل الإعلام المضاد.  وكما أسلفت، فإنه وإن تم إرساء الشرعية على مستويات الحكم، فإن الإعلام الحالي يعمل ليل نهار لسحب البساط من تحت الحكومة المنتخبة وإسقاطها وجعلها تظهر في مظهر العاجز المترتبك وغير المؤهل لإدارة البلد. 
*** 

 وبالنظر إلى أن الرهان يتعلق بمستقبل تونس ومستقبل الشرعية الدستورية فيها، فإني أرى أن من أَوْكد الأولويات في هذه اللحظة الراهنة إنشاء محطات إعلامية مرئية ومسموعة في تونس حالا وبدون تأخير لتعكس باستقلالية وموضوعية وحيادية الخطوات التي تقوم بها الحكومة ولتقدم للمتابعين نسخة موازية للنسخة التي تقدمها وسائل الإعلام المتحاملة وذلك حتى لا يطغى الإعلام المضاد على المشهد ويتم توظيفه لابتزاز التونسيين وجرهم إلى فقدان الثقة في الأطر المنتخبة. ولست أتحدث هنا عن إنشاء أعلام حكومي زائف ومطبل يسعى لتلميع صورة الحكومة بل إعلاما يقف على نفس المسافة من الائتلاف الحكومي والمعارضة المتواجدين تحت سقف البرلمان.  إن الإعلام في هذه اللحظة المفصلية هو موقع الصراع الحقيقي ومن خسر معركته، فكأنما خسر نصيبا كبيرا من منجزاته وغض الطرف عن تيارات تعمل لتعجيزه وقتله معنويا.  
 ***
في تقديري أن إنشاء محطة تلفزية أمر جد هين من الناحية الفنية وغير مكلف من وجهة النظر المالية، ويعتبر عدم تفعليه خطأ جسيما على الثورة ومنجزاتها ومستقبلها. وسواء تعلق الأمر بإحداث قناة تلفزية أو قنوات إذاعية وطنية وجهوية، فإني أجزم أن المسألة لا تعدو تقنيا أن تكون أكثر من غرفة للبث يسهر عليها خيرة شبان الوطن وشاباته من المختصين والمهنيين والأكفاء. إما تكاليف الإنشاء ومعاشات الكادر الساهر عليها، فأتصور أن هناك من التونسيين من هم قادرون على تمويلها وراغبون في اقتناص هذه الفرصة التاريخية لإرساء الشرعية وتثبيتها وتمكينها من المجال الحيوي الذي هو حقها بحكم نتائج صندوق الاقتراع.   
***
وفي هذا الصدد، أقترح أن يتم إعداد مسودة تتداولها الجهات المختصة وتنكب عليها للخروج بتصور سريع ومرحلي وقابل للتنفيذ ويستفيد من الخبرات التونسية العالية والمتوافرة في مجال الإعلام والصحافة والبث الإذاعي والفضائي والعنكبوتي.  

Monday, January 2, 2012

الحصار

أيتها الهوجاء عودي
تراجعي، ارتدي
كُفّي، انكفئي
تقهقري من حيث جئت
من غياهب الظلمة
اجمدي، تجمدي، أيبسي، تيبسي، تحنطي
وضعنا دون خروجك
سياجا وسياجا وسياجا...
لا تحلل، لا تضمر، لا تجهر، ولا تهمس
أيتها الهوجاء استسلمي، نامي
توسدي أضغاث أحلامك
الضمير الغائب مستتر، متستر
جلده ما عاد يعرف القيظ ولا الزمهرير
تكلست عيناه في الظلمة
نسي الألوان كلها
نسيت أذناه صدى الأصوات
أيتها الهوجاء انبطحي
انتحري، اندحري
نسي التاريخ قلمه
جهاز الرصد وقع في قاع المحيطات
دون قوقعة
مات
أنكرت وكالات الأنباء وجوده، سقوطه، موته
أيتها الهوجاء أدركك الليل
اجتثي غدد الدمع من عينيك
تدثري بكساء سميك من التراب
امسحي ذاكرة النور لديك
توسدي تاريخك السرمدي
إلى حيث انتهى
وانته،
انته
أنت
أنت العاصفة
...
فتهاوت
وهوت
واهية 

Monday, November 14, 2011

حرب النجمين، الفصل الأخير من معاهدة الثريا - عيوق

الشخصيات:  هاتف يقدم مشهدا مألوفا وأليفا، يليه حوار بين الثريا ومرافقها على الدوام في السماء، عيوق


المشهد الأول


 يتغني من مكان مجهول في خلفية الزمان، تستمع إليه الكائنات بإنصات شديد، فلا يتوقف صدى كلامه


الهاتف

مذ شُتِل الكون تهامسوا
والقمرُ زاهٍ تماسكوا
في ضحى الشمس تآنسوا
وفي دجى الليل تسامروا
ولما نادي الفجر تلامسوا
سَبحَوا في الفلك وسبَّحوا
جمعا سرمديا...
ترابطوا، تعانقوا، تناصروا، تصاهروا
"نحن خلان الفضاء
فيما انقضى من عمرنا وما أتى
فلا الأزمان تفصلنا
ولا النفاثات ترحينا."

المشهد الثاني

في الخلفية جبل شاهق ينفث دخانا، وصوت حشرجة لآخر ديناصور مشى على الأرض

عيوق

ذات صبح أو مساء
لا يهم تفصيلا متى
حدق عيوق في عين الثريا
وانبرى
آه، يا الثريا، أنا باق ها هنا
يا الثريا، اقبريني، ثم روحي
أنا ما عندي مدى
عيناك في الأفق دواما
لا تراني من أنا
أنت جمع وأنا وحدي
منذ سافرنا معا
أنت دوما تتلهين
بوجهك
وتنساني أنا
طلعتك يُكتب عنها دواوين وأشعار
وأنا، من أنا، ليس عندي حضوة
إذ لا أُرى
ها هنا منتهى نوري
ها هنا تنتهي ناري
فارقيني فأنا سأبقى ها هنا

المشهد الثالث
صورة لقوس قزح معكوس الألوان والاتجاه تظهر شيئا فشيئا
 
الثريا

أنسيت يا أُخَيْ
عهدنا عندما كنا صغارا
لا تفرقْ شملنا
فنحن في المخيال واحد
لا نُرى إلا معا
تعرفنا أهازيج النيل
وجبال الهملايا
وسنديان الآمزون
وأخاديد بحيرة فكتوريا
هيا، انفض عنك غبار الجفاء
فلا تستوي طلعتي إلا بك

 نوفمبر - كانون الثاني 2011

Thursday, August 18, 2011

MEMOIRS OFA RETIRED LOCOMOTIVE

Some seven years before I’d reached locomotive retirement age, a committee of experts met one Sunday afternoon behind closed doors and decided with one or two abstentions that I should either tender my resignation or be terminated. The debate was so very heated with warning signs all over. Thus, I thought best to draft my resignation, sign it and submit it there and then. It wasn’t immediately clear to me why this course of action appealed to the board of directors, but I did notice that a number of brand new cadre were injected into the pipeline who insinuated that I was more like unwanted, outdated stuff. For the sake of keeping a seeming of normalcy, a retirement ceremony was organized right after I had submitted my resignation letter. There was lots of honking and whistling, which was the normal thing to do on occasions like these, and at the end of the ceremony, I was whisked to a hangar not too far from company headquarters, to rust there, permanently.
****
In that hangar, I met a number of locomotives that had undergone a similar fate. There was a multitude of tracks, each with one or more locomotive parked on it. Mine happened to be sort of center left at that time, though the distribution has been shifting rightwards slowly over the years. On either side of me, there were locomotives that sat, silently. Some of them bore dates of many years earlier, and the flags painted on their sides were not readily visible as so much dust had settled on them.
****
Come to think of it, there was really nothing to jump up and down about with regard to my new forced-retiree status. It wasn’t bad either. I have had plenty of time to cogitate on life and its unexpected turns. All over the place, there were other locomotives that were, too, consuming time, waiting and watching, not waiting for anything really, and not expecting any major events to rock the stillness of the place. It was in a way a sort of exile for trains that had served for many, many years, not much of a punishment, but not a rewarding life either. From time to time, a company clerk would pop in on us, make a random check on some of us, and then leave. That was about the only occasion when the hangar lights were turned on, but as soon as the clerk left, we would all return to a life of silence and obscurity.
****
The winter nights were particularly cold. We could feel rain water from outside running underneath our iron wheels, and gusts of wind slapping us through broken glass windows and other apertures. For one reason or another, it was decided that the hangar gates would remain open at least one day a week, maybe because the smell of diesel and dead lubricants would be so nauseating if there were no draft circulating freely. Sometimes, in the dead of winter, stray dogs would find refuge among us. I didn’t know what it was that told these dogs to refrain from barking; they may be too hungry to bark anyway, but it was likely that they intuitively understood barking would cause company bosses to order the guards to chase them out.
****
Summers, too, dragged on forever. Here we were all packed in one place, under temperatures almost calculated to evoke a desire for revenge. Worse still, because our engines were shut off, we couldn’t release those huffing noises trains produce as they start their screech when coming to a standstill so passengers could disembark or board.
****
There were times when I felt that I nearly forgot that honking sound I often made as I approached villages in the middle of the night. That was a time when I was in the prime of youth, furrowing the land and making my presence felt among scattered country homes, villages and even those packed slum areas where the railroads passed. Retirement, I came to understand, was a time when you were forced to burrow in, to build a wall around yourself, and to stop the good old habit of saluting other locomotives with a loud honk as you ran parallel one, or as you had to wait for another because there was just two railway lines. Life, with a purpose, was pretty exciting and was definitely worth living.
****
It is probable that the rails underneath me are suffocating because I have been standing on them for far too long. When I was a young train, I had no sense of gravity; the business of being a locomotive meant that we had lots of power pulling or pushing one way or another. There were times when we maneuvered, back-tracked, or stood on the side for a while, but most of the time, our life was one of motion. The one occasion I still remember to this day was at eight in the morning; new railways lines were being inaugurated, and the honor was mine to make the first descent down to the very end of land. It was true that the end of the railways was marked with what was probably a one meter thick wall, and though that wall looked permanent, I knew, in hindsight, that it was only erected to be destroyed one day so extensions could take place and new directions charted.
****
I have been sitting here for many, many years. It may be that I am gaining in age, as I am nearly starting to forget the last time I drove or was driven. It didn’t really matter, there were many drivers who sat on this seat, but eventually, none of them lasted forever. I didn’t either, or maybe I did. I, the engine, was there, and could, sort of, move myself; perhaps I could even use my auto-pilot, and cruise for hours on end, uninterrupted, until I was to reach the next big destination. I am now starting to feel some itching in my iron wheels; their shape, it seems to me, has started to slightly bend under the sheer pressure of my weight. O, am I getting stuffy or what? My eyes, with their once-dazzling lamp lights across the nights of the country and the brouhaha of the city haven’t been put to use since last time the engine was fired. In fact, I am not even sure that my spark plugs are working properly as they too have been dormant, idle, and downright inactive for over four decades now.
****
Friends around me in this abandoned place are saying that within a few weeks of their service being discontinued, they noted large increases in the rat population who had a nightly go at their electric wires and their many hoses. I can still feel something in the engine of my belly, but it’s not nearly as distinct a feeling as I used to get when I was driving at record speed in my heydays. A few days ago, I observed a fellow locomotive being disassembled by an army of engineers who apparently needed some spare parts to fix another locomotive, and I saw the lid of my colleague’s diesel tank removed, and boy! The fuel inside had solidified and was discolored beyond recognition. When they wanted to dispose of the lubricants, the drainage pipe was simply clogged, and a horrible stench was released, which drove away rats in their swarms. I’m not surprised at that, as this septuagenarian gentleman of a locomotive had served for nearly forty years and was then confined to some kind of solitary existence after the country in which it was made expressed its dismay at the recent purchase of locomotives from a competitor in another part of the world.
****
Though I wasn’t very much upset that this same fate would be befall me, I have lately seen around me an unusual kind of commotion. First off, three engineers came to inspect me some two weeks ago. The locomotives on either side me played dead, having witnessed the fate of their brother locomotive. Though they were not leading any level of existence commensurate with a lifetime of service, they probably considered a vegetating life better than seeing their organs grafted onto other living things. Two days after that initial visit, I was taxied out of the hangar. I could see the station where I had served ages ago. It’s now a lot bigger than when I left, but it looked like it had been burned. In the distance, I could hear the deafening voices of thousands of people marching and there was a distinctly familiar smell of burning tires blackening an already cloudy January day. Marchers were carrying banners and flags. Strangely enough, it was not the same flag that was perched with pride on the mast of the company building when I was serving.
****
In what looked like a rush job that lasted just a over a week, my engine was tuned up, with a new carburetor, a like-new diesel tank, a set of seven and seven spark plugs in different locations of my 1500 horse power engine in replacement of my ageing plugs, a refurbished horn, a glaring coat of paint on my front end, and what not. Experts argued for a while, but it seemed they were under pressure to act fast, and consensus was reached in my presence and with my approval that was no need for a new transmission. The one originally fitted onto me when I was made back in the forties was good enough and was capable of withstanding a reasonable extension of service.
****
Now, I am all fired up and ready to go. As I centrally stand in Central Station, people, young and old, are boarding me. Some think I’m brand new, but others are inquisitively looking me in the eye, as if I were a familiar old train with a facelift.
****
I do not so much mind the new flag just painted in the place of the old one on the sides of me before my second coming. Within a few months of running, I am sure the heat inside me will help deface this layered coat of paint. I will be myself again in due time, and will run at my own pace, as before.
****
The lifeworlds of the locomotives herein described are fictitious. Any resemblances to real locomotives on active duty, retired or dead, is purely coincidental.
****
Ali H. Raddaoui is an associate professor of Arabic and Linguistics at the University of Wyoming in Lramie.